
أظهرت بيانات سوق العمل الأمريكية الصادرة اليوم الجمعة صورة أكثر قوة من المتوقع للاقتصاد الأمريكي، بعدما سجلت الوظائف الجديدة نموًا فاق تقديرات الأسواق، في حين استقر معدل البطالة عند مستوياته السابقة، بينما جاءت بيانات الأجور متوافقة مع التوقعات، وهو ما يعزز الرهانات على استمرار الاحتياطي الفيدرالي في التريث بشأن خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وبحسب البيانات الرسمية، أضاف الاقتصاد الأمريكي 172 ألف وظيفة خلال شهر مايو، متجاوزًا توقعات الأسواق التي كانت تشير إلى إضافة 85 ألف وظيفة فقط، رغم أن القراءة جاءت أقل من مستوى 179 ألف وظيفة المسجل في الشهر السابق.
في المقابل، استقر معدل البطالة عند 4.3% دون تغيير مقارنة بالشهر السابق، وجاء متوافقًا مع توقعات المحللين، ما يعكس استمرار التوازن النسبي في سوق العمل رغم تباطؤ وتيرة التوظيف مقارنة بمستويات الذروة التي شهدها الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات الماضية.
أما على صعيد الأجور، فقد ارتفع متوسط الأجر في الساعة على أساس شهري بنسبة 0.3% خلال مايو، مطابقًا لتوقعات الأسواق، ومتسارعًا مقارنة بزيادة بلغت 0.2% في الشهر السابق.
وعلى أساس سنوي، سجل متوسط الأجر في الساعة نموًا بنسبة 3.4%، وهو المستوى ذاته الذي توقعته الأسواق، لكنه جاء أقل من القراءة السابقة البالغة 3.6%، ما يشير إلى استمرار التباطؤ التدريجي في نمو الأجور رغم بقائها عند مستويات مرتفعة نسبيًا.
سوق العمل يتحدى التوقعات
جاءت البيانات أقوى بكثير من التقديرات التي سادت الأسواق خلال الأيام الماضية، خاصة بعد صدور مجموعة من المؤشرات التي أوحت بإمكانية تباطؤ أكبر في سوق العمل.وكان تقرير التوظيف الصادر عن مؤسسة ADP قد أظهر إضافة 122 ألف وظيفة فقط في القطاع الخاص خلال مايو، كما ارتفعت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية إلى 225 ألف طلب، وهو ما دفع العديد من المحللين إلى خفض توقعاتهم لبيانات الوظائف الرسمية.
لكن التقرير الصادر اليوم أظهر أن سوق العمل الأمريكي لا يزال يحتفظ بقدر كبير من المرونة، رغم الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ماذا تعني البيانات للاحتياطي الفيدرالي؟
تحمل هذه الأرقام أهمية كبيرة بالنسبة لصناع السياسة النقدية في الولايات المتحدة، خاصة مع استمرار التضخم فوق مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.فالقوة المفاجئة في أعداد الوظائف الجديدة، إلى جانب استقرار البطالة واستمرار نمو الأجور، تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال بعيدًا عن حالة التباطؤ الحاد التي قد تدفع البنك المركزي إلى التوجه سريعًا نحو خفض أسعار الفائدة.
كما أن استمرار نمو الأجور بنسبة 3.4% سنويًا يبقي المخاوف قائمة بشأن الضغوط التضخمية المرتبطة بسوق العمل، حتى مع تراجع وتيرة نمو الأجور مقارنة بالأشهر السابقة.
وبناءً على ذلك، قد تدعم البيانات الحالية موقف الاحتياطي الفيدرالي الداعي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، خصوصًا في ظل المخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالتوترات الجيوسياسية إلى موجة تضخمية جديدة.
خلفية اقتصادية
تأتي بيانات مايو في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي مجموعة من التحديات المتزامنة، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم خلال النصف الثاني من العام.وكانت الأسواق تترقب هذا التقرير باعتباره أحد أهم المؤشرات التي ستحدد توجهات السياسة النقدية خلال الاجتماعات المقبلة للاحتياطي الفيدرالي.
ورغم تباطؤ التوظيف مقارنة بمتوسطات السنوات السابقة، فإن إضافة 172 ألف وظيفة جديدة واستقرار البطالة عند 4.3% يؤكدان أن سوق العمل الأمريكي لا يزال يتمتع بصلابة ملحوظة، وهو ما قد يقلل من احتمالات أي تحول سريع نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا خلال الأشهر المقبلة.